جبهة الدفاع عن المتحرش

لماذا يدافع المتطرفون والذكوريون وأصحاب العقلية العدوانية عن المتحرشين؟ 
لماذا تظهر جبهة دفاع عن المتحرش؟ 

تزل علينا جحافل من المتطرفين، ولجان الذكوريين، وقواعد ثقافة البلطجة، وذوي عقلية الاستحقاق العالي والسيطرة وفرض القوة، ليقوموا بالدفاع باستماتة عن واحد (وغيره) قالوا لواحدة، فى اتوبيس عام:

"شوفى انت لابسه ايه!".. "إيه اصلا اللبس اللي انتي لابساة دا!"، "انت تعرفى دين!"..

وكل دول بيهاجموا بنفس الطاقة والحماس فتاة تعرضت لهذا العنف النفسي والتحرش اللفظى المسجل صوت وصورة.. وده مالهوش دعوة بأى اتهامات أو تحقيقات أخرى، قد تُثبت أو تنفى أى شئ خارج سياق هذه الجملة الواضحة.

المشهد ده نفسه (مع الفارق) هو مشهد دفاعهم هم نفسهم عن واحد نحر فتاة فى عرض الشارع أمام المارة.. لدرجة انهم عملوله صفحات باسمه، وجمعوله تبرعات لانقاذه، ومازالوا حتى الآن بيتعاملوا معاه على إنه بطل وشهيد..

إيه السر؟ ليه هذا الحشد الهائل؟ ليه المجموعات دى بالذات هى اللى واخدة على عاتقها هذه المهمة؟

يتلخص الموضوع في عشر أسباب وراء الظاهرة العجيبة المريبة دى:

1- الخوف من فقدان السيطرة الذكورية: التحرش مش مجرد سلوك فردي، التحرش ترسيخ عملى لإحساس بالتفوّق والوصاية الذكورية. وبالتالى أي إدانة واضحة للتحرش هى فى حقيقتها تهديد مباشر لهذا التفوق وهذه الوصاية.. التحرش اداة مهمة جداً فى استمرارالسيطرة الذكورية.. فيه حد لقيته كاتب امبارح جملة غريبة جداً بيقول فيها ان دى بنت فاسقة، وواجب على كل راجل انه ينكر عليها فسقها ويغلظ فى الانكار.. يا نهار اسود.. أى راجل؟ ويغلظ ازاى يعنى؟ الكلام ده رغم انه شكله يخض.. لكنه بيقول بوضوح ان المرأة وجسدها واختياراتها وقرارتها وحريتها هى آخر ساحة لمعركة الذكورية البائسة.  

2- حماية الهوية الجماعية (وليس حماية الأخلاق): الاعتراف إن “واحد منهم” مخطئ، بيهزّ صورة المجموعة/الجماعة دى عن نفسها.. فبدل ما تبقى صورتهم الذهنية (الزائفة) عن نفسهم انهم مدافعين عن الأخلاق والقيم، تبقى فى يوم وليلة صورة مليئة بالوقاحة والخسة والدونية.. دفاعهم الشديد هنا مش دفاع عن قيم ولا أخلاق.. انما حماية لانتمائهم ولهويتهم الجماعية.

3- منع انهيار منظومة نفسية مرضية كاملة: فيه طريقة دفاعية نفسية شهيرة اسمها Displacement (بالعربى اسمها الإزاحة)، كانوا بيشرحوهالنا واحنا طلبة فى أولى طب بالموظف اللى بيتعرض لضغط وتقليل مستمر فى شغله، فيرجع يهين مراته فى البيت، فمراته اللى حاسة بالإهانة تضرب بنتها الصغيرة، والبنت المسكينة الضعيفة ماتلاقيش قدامها غير عروستها الصماء، تنزل فيها تقطيع وتخريم.. الطريقة دى بتحاول -احيانا بشكل صحى واحيانا بشكل مرضى- انها تحمى صاحبها من انهيار منظومته النفسية.. احنا هنا قدام مجموعة من البشر مليانين توتر وكبت وكراهية، ومش عارفين يتعاملوا مع ده بشكل صحّى.. فبيتنقّل التوتر والانفعال جواهم من مستوى لمستوى، لحد ما يلاقى الواحد فيهم أضعف حلقة ممكنة للتفريغ فيها.. مش بس علشان رغبة جنسية، لكن علشان متصور فيها مساحة أنها بلا رد فعل، وبلا تكلفة نفسية فورية.

4- رفض مواجهة المراية الشخصية: أحيانًا الدفاع المستميت عن المتحرش بيكشف عن استعداد داخلي خفى لعمل السلوك نفسه لو سنحت الفرصة. فأى إدانة لمتحرش أو لفعل التحرش ممكن تفتح باب أسئلة داخلية صادمة وتبدأ مواجهة مؤلمة للشخص أمام نفسه.. فعلى ايه.. بلاش نبص فى المراية أحسن.. تكسير المراية أريح من تحمل الذنب.

5- البحث عن بطل وهمى: التطرف – أيًا كان شكله – بيعيش على صناعة رموز.. كل معركة بالنسبة لهم محتاجة "بطل" أو “شهيد” أو “مدافع”... فمهما كان الفعل أو السلوك في حد ذاته عنيف أو مؤذى… بيتم بكل مكر وخبث وتلاعب إعادة صياغته كملحمة أخلاقية.

6- هشاشة الإحساس بالقيمة: اللي حاسس من جواّه (فى العمق جداً) إنه ضعيف أو مالهوش لازمة أو وجوده بلا قيمة أو اضافة حقيقية للمجتمع أو للعالم أو حتى لبيته، بيحاول يتشبث بأي مشهد قوة- حتى لو كانت قوة زائفة.. فمعنى التحرش بالنسبة له بيتحوّل من اعتداء… إلى استعراض قوة تعوض فراغه الداخلى الساحق.

7- الخوف من تغيير الأدوار الاجتماعية: اعطاء مساحة للمرأة فى الفضاء العام، ونمو دورها الاجتماعى، ودخولها مساحات جديدة كل يوم، بيمثل تهديد حقيقي لكل اللى عاوزين يصغروها ويطبقوها ويهمشوا وجودها، تغيّر صورة ودورالمرأة أو استقلالها بالنسبة لهم خسارة على مستويات كتير.. ومن هنا، فالدفاع عن كل حد بيوصل رسالة لأى امرأة مفادها "ماتتحركيش من مكانك"، "ماتخرجيش من بيتك أحسن"، "اتوأدى وانتى ساكتة".. هو مش بس دفاع.. هو مقاومة شديدة للوجود الحقيقي والدور المؤثر للمرأة.

8- تطبيع العنف اللفظي: لما حد يبقى فى شريحة أو شرائح مجتمعية بتعتبر السخرية، والتقليل، والتدخل في شؤون الآخرين حاجات عادية، بل مطلوبة ومرغوبة ومشكورة أحياناً كمان، فيفقد حساسيته تجاه الأذى.. ويتحول التحرش في نظره إلى "رأي" أو "نصيحة" لا إلى اعتداء.

9- تبسيط الموضوع بشكل مريح: الاعتراف إن التحرش ظاهرة مركبة ومؤلمة ومحتاجة مراجعة شخصية وأسرية ومجتمعية شئ مرهق جدا طبعاً.. فالأسهل نفسيًا هو اختزال الحكاية كلها في جملة واحدة: "هي السبب"... بس وخلاص..

10- عدوى الجماعة: لما الشخص يكون وسط مجموعة متفقة على موقف معين، بيبدأ -فى أوقات كتير- هذا الشخص فى تبنى الموقف ده علشان يحس إنه منتمي للمجموعة ومش مختلف عنها.. دى ظاهرة مشهورة فى علم المجموعات.. ومع الوقت، الحماس الجماعي بيغلب التفكير الفردي، ويبقى الدفاع هنا مش بس قناعة.. لأ ده كمان دليل على الولاء للمجموعة اللى زى ماحنا شايفين صوتها عمال يعلى، وحضورها عمال يعلن عن نفسه..

يعنى..
كل اللي بنشوفوا من هجوم وصراخ وتبرير.. مش قوة… ده خوف مقنّع، وإنكار مؤلم، وهشاشة شديدة بتحاول تستخبى ورا صوت عالي..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دمت لي

ن والقلم وما يسطرون ... تأملات قرآنية

أصل شعوب العالم