خراب البيوت

في الآونة الأخيرة، ومع انتشار العنف المنزلي بدأت الكثير من السيدات بالشعور أنهن وقعن تحت ضغط، بسبب المجتمع، فوقعت في فخ الاختيار ما بين الاستمرار في ظروف مستحيلة أو مواجهة تهمة أنها "خربت بيتها" .
لو كان الأمر معكوس، وكان الرجل هو من يقع تحت طائلة العنف، هل سيستمر في التحمل والتضحية لمنع خراب البيت؟!
هل سيرضخ الرجل للمجتمع!!
بالطبع لا.. فإن احس الرجل بعدم ارتياح مع زوجته ولو قليلا لنفض يده من البيت والزيجة ولجأ لزيجة أخرى وتخلى عن كافة مسؤلياته.
وبالطبع لا يمكن مقارنة العنف الذي يمارسه الرجل بالعنف الذي تمارسه المرأة، فمهما كانت قوة المرأة وعصبيتها فلن يصل بها الأمر أن تضرب زوجها ضربا مبرحا وبالطبع لن تضربه حتى الموت.
هل البيت المليء بالعنف يعتبر بيت، يعد سكن ومآوى، وهل يصلح لتكوين أسرة؟!
الحقيقة لا..
فإذا كان الأمر كذلك، لم يتقبل المجتمع بيت كهذا ويطلب من المرأة الصبر والاحتمال لمنع خراب البيوت؟
أليس من الأولى نصح الطرف العنيف وحل المشكلة من جذورها، أليس من الأولى وضع قوانين صارمة تمنع جرائم العنف المنزلي وتنبذه، أليس من الأفضل للمجتمع ككل وضع حد لجرائم العنف المنزلي والحد من جرائم الشرف والقتل المبرر، وضع حد للوصم المجتمعي؟!!
متى ينصلح حال هذا المجتمع؟
متى يبدأ المجتمع في حل المشكلات بدلا من جعل المرأة فريسة ولومها على كل
 لفظ "خراب البيوت" بنسمعه كتير، بس ياترى حد فكر يعني إيه خراب البيوت؟
كلمة "خراب" معناها هدم أو انهيار، والكلمة دي بنستخدمها كتير لما بنوصف أثار الحروب، كل حرب بيبقى فيها أطراف والخراب بيبقى نتيجة طبيعية للنزاع بينهم.

 أما بقى "خراب البيوت"، فالكلمة دي بتتفهم فى مجتمعنا على أن "الست معرفتش تحافظ على بيتها" أياً كانت المعطيات.
👈 جوزها مدمن أو بيضربها أو بيهينها باستمرار .. كل ده مش مهم، المهم أنها لو فكرت تخرج من العلاقة دي أو تحمي نفسها بالطرق القانونية المشروعة، بتواجه لوم من الناس اللي حواليها تحت مسمى "إنتي هتخربي بيتك".

منظومة الجواز بطبيعتها بتقوم على فكرة مشاركة مسؤولية "الحفاظ على البيت" بين الطرفين. المنظومة بتتعرض للانهيار لما المسؤولية بتترمي على كتف طرف واحد وبيتم لوم الطرف ده لو حصل خلل في طبيعة المنظومة دي. عادةً في مجتمعنا، المسؤولية بتترمي على كتف الست بحجج كتير زي"الراجل تعبان برة البيت والست هي اللي مسؤولة عن البيت" وتدريجياً الموضوع بيكبر ويوصل ل"خراب البيت ده مسؤوليتها لوحدها". طب إيه هي مسؤولية الراجل كطرف فى العلاقة فى المحافظة على البيت، بالذات أنه أي عقد مهما كان نوعه بيكون فيه حقوق ومسؤوليات على الطرفين؟

المشكلة في أغلب الأوقات هي أن كل طرف بيعلق أخطائه على شماعة التاني، والحل هنا بسيط. لو أنت شايف أن مراتك هي اللي مسؤولة لوحدها عن خراب البيت، راجع حسباتك وافتكر أن الود والحب والرحمة هما أساس بناء بيت صحي وسليم. ولو إنتي شايفة إنك مقصرة وبتخربي بيتك بإيدك، فاتكلمي مع حد ثقة واستشيره وفاتحي جوزك وابتدوا صفحة من التعاون على بناء بيت جديد. الأكيد أن الطرفين مسؤولين عن تقويم العلاقة، مش إنتي لوحدك اللي هتخربي البيت.

بس في سؤال مهم هنا: هي الست المفروض تستحمل لحد إيه علشان المجتمع يقول إنها خلاص كدة مش بتخرب بيتها؟ أكيد أي علاقة زوجية بيكون فيها مشاكل، ولو العلاقة دي صحية فهي هتكون معتمدة على التعاون والشراكة في حل المشكلات. بس لو العلاقة دي مليانة بالعنف النفسي والجسدي المستمر للست، اللي هو غير مُبرر في كل الحالات، الست المفروض تفضل تستحمل لحد أيه؟ لحد ما نسمع عن إنها اتقتلت، زي القصص البشعة اللي سمعنا عنها في السنتين اللي فاتوا وكمان في 2022؟ القصص اللي فيها راجل جاب بلطجي علشات يغتصب مراته وبعدين البلطجي ده قتلها؟ ولا الزوج اللي قتل مراته ب11 طعنة بسبب "خلافات زوجية" حسب كلامه؟ أو يمكن الزوج اللي قتل مراته ب27 طعنة علشان طلبت الطلاق؟ مستنين نسمع عن كام قصة مأساوية تانية علشان نبطل نحمل الستات مسؤولية "خراب البيوت"؟

واحدة من الناس المُلهمة في الموضوع ده هي "إنجي رأفت" اللي كانت متجوزة شخص بيضربها وبيعرضها لكل أنواع العنف. بس إنجي قررت بعد سنين من السكوت إنها لازم تنقذ نفسها وتحط حد للعنف اللي كانت بتتعرض ليه، وبينت أن مش مقاومتها هي السبب في خراب البيت، لكن عنف زوجها هو السبب. وعلشان كدة إنجي عملت مبادرة "تقدري" اللي فيها بتساعد ستات تانية إنها توقف ضد العنف المنزلي اللي بتتعرض ليه. إنجي بتركز في مبادرتها على أهالي النجوع والصعيد اللي كتير منهم لسه مُعتقدين أن الست لازم تستحمل العنف عشان خاطر عيالها وبيتها.

نتمنى أن كل المُعتقدات الغلط دي تنتهي وكل واحدة تعرف المعنى الحقيقي لقيمة حياتها، وتفهم أن قيمة الحفاظ على البيت مش إن يتاخد منك حقك وتسكتي. القيمة إنك لما تحسي بوجود حاجة غلط تتكلمي علشان صوتك ده مش بس هايفرق معاكي إنتي، ده هيساعد ناس كتير غيرك إنها تاخد حقها. وافتكري إنك إنتي الوحيدة اللي عايشة وشايفة اللي بيحصل في حياتك، إنتي اللي بتتعنفي سواء بالكلام أو بالضرب، فمتسمحيش لحد أبداً أنه يضعفك ويخليكي ماتخديش حقك. إنتي حقك تعيشي مرتاحة وسعيدة مع شريك حياتك، مش خايفة منه على حياتك!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دمت لي

ن والقلم وما يسطرون ... تأملات قرآنية

أصل شعوب العالم